مقالات و دراسات

على خطى الطوفان:  نحو تعزيز التضامن العالمي و محاصرة السردية الصهيونية

د. وائل الزريعي : مركز دراسات ارض فلسطين للتنمية و الانتماء

لم يكن ليصدر تصريح بلفور، الذي يتجاهل الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، و يمنح ارض فلسطين للكيان الصهيوني، الا بعد تهيئة الرأي العام في اوروبا لتقبل مسخ جديد من صناعة الامبريالية ليكون (وطنا قوميا لليهود) . لقد استخدمت القوى الامبريالية و الحركة الصهيونية كافة الأدوات الدعائية، لخلق حالة من التعاطف و التضامن الغربي  مع (اليهودي الضحية)، و حقه في  العودة الى ارض الميعاد، حيث شكلت الثقافة اهم الأدوات الناعمة في تشكيل الوعي الجمعي في الغرب، و تم الاستعانة بكل اشكال التعبيد الثقافي و بناء الوعي الجمعي من ادب و مسرح و سينما، في خلق بيئة فكرية تضامنية، مع الرواية الصهيونية. بعد النكبة استمرت الحركة الصهيونية في وضع المساحيق لتجميل الوجه البشع للاحتلال، وللمجازر المرتكبة ضد الشعب الفلسطيني، فأطلق على تهجير وقتل السكان الاصليين (حرب الاستقلال)، وتحولت العصابات التي ارتكبت المجازر ضد أصحاب الأرض الى (جيش الدفاع)، مع اصطدام الكيان بالوجود الفلسطيني و روح التضامن العربي السائدة في ذلك الوقت، كان لابد من استكمال صورة اليهودي الضحية المحاط بغابة من العرب تريد القاءه في البحر، و هو ما بثته الدعاية الصهيونية باحتراف للمواطن الغربي عبر كافة وسائل الاعلام و الاتصال الممكنة. ادرك الكيان الصهيوني منذ البداية ان شريان حياته، ووجوده مرتبط بالدعم الغربي، و لكن هذا الدعم لا يمكن ان يستمر او يبرر دون العمل على تثبيت السردية الصهيونية. لقد بنت الحركة الصهيونية سرديتها الموجهة للغرب على عدة عناصر أهمها (عقدة الهولوكوست)، من خلال الاستثمار في عقدة الذنب لدى المواطن والسياسي الغربي بعد الحرب العالمية الثانية، كما هو الحال مع العديد من الدول الغربية، و لعل ابرزها المانيا، التي أصبحت عقدة الذنب ملازمة لها، و عليها التكفير عنها بكافة الطرق المالية و الدبلوماسية، لم ينسى الكيان لكي يحافظ على هذه الرواية بإنشاء ما يتجاوز المئة متحف عن  الهولوكوست عبر العالم، كما عمل الكيان منذ قيامه على خلق تحالفات و لوبيات تروج لهذه السردية من خلال جماعات الضغط، و شراء الذمم في الاوساط السياسية و الثقافية و الاكاديمية الغربية لإنكار الحق الفلسطيني. و تحت شعار معاداة السامية كان يتم تحييد او محاصرة أي صوت يذكر العالم بجرائم الصهيونية. لقد تعرضت السردية الصهيونية للتصدع خلال الانتفاضة الاولى و الثانية، حين اصطدم العالم بالصورة الحقيقية  للاحتلال، و نقلت الشاشات عبر العالم (الجيش الأكثر أخلاقية في العالم) يواجه حجارة الأطفال بالرصاص الحي، فاصبحت صورة الطفل فارس عودة في مواجهة الدبابات، و محمد الدرة وهو يلفظ انفاسه امام الكاميرات امثلة دامغة على الاجرام الصهيوني، و مع ذلك عمل الاحتلال، على محو اثار الجريمة بكافة الوسائل، و استعادت آلة البروباغندا الصهيونية زمام المبادرة بالعمل على إبقاء الصورة المرسومة في ذهن المواطن الغربي حول كون الكيان هو واحة الديموقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط. لقد اعتبر الكيان ان حرب السرديات و صورته في الغرب، احد ركائزه الاستراتيجية للبقاء، لذلك فان اسوء كوابيس الكيان الصهيوني هو هدم هذه الصورة، والعزلة الدولية.

رغم كل ذلك فان بعض المعاول التي واجهت السردية الصهيونية خرجت من داخل الكيان نفسه كالمؤرخ ايلان بابيه، و كذلك العديد من الأصوات اليهودية في الغرب، و لعل ابرزها المفكر نعوم تشومسكي. كما ان فشل مسار أوسلو بسبب امعان الكيان في التنكيل بالشعب الفلسطيني و قضم المزيد من الأرض زاد في تصدع صورة (الدولة الباحثة عن السلام مع جيرانها من العرب).

لكن ما حدث للسردية الصهيونية بعد السابع من أكتوبر كان الأهم، فمع كل قطرة دم سفكت في غزة، و مع كل بيت هدم و شجرة اقتلعت تهاوى جزء من السردية الصهيونية، و ظهر الوجه الحقيقي لبشاعة الاحتلال للعالم، فقد شكل العدوان الهمجي على قطاع غزة بعد السابع من اكتوبر، نقطة تحول في المشهد الدولي، حيث أثارت جرائم الاحتلال موجة عارمة من التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني وأصبح للسردية الفلسطينية اذان تستمع، وعيون  ترى ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من جرائم يندى لها جبين الانسانية. لقد أصبح المواطن في الغرب ينظر للقصة من منظور مختلف، ليعيد الطوفان رسم الصورة عن صراع غير متكافئ بين قوة احتلال مدعومة من قبل قوى عظمى، وشعب يخوض نضالا من أجل التحرر. اهم دوافع التضامن العالمي كان الدافع الأخلاقي و الإنساني بسبب حجم الدمار والضحايا  من المدنيين، خاصة الأطفال والنساء، فتحول التضامن مع فلسطين من  تعاطف إنساني ، إلى حركة  عالمية منظمة، تتخذ اشكال متعددة للتعبير عن مساندة الشعب الفلسطيني و حقه في الدفاع عن نفسه، و تستخدم أدوات العولمة من وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن تضامنها، حيث لعبت هذه الادوات دور بارز ، في كسر الحجب الإعلامي وإيصال الصورة الحقيقية للعالم، و أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحات لمعارك رقمية تؤثر بشكل مباشر و غير مباشر على السياسات الخارجية للدول.

خلال العدوان الأخير على قطاع غزة، حدثت صحوة تضامنية إنسانية مع الشعب الفلسطيني، حيث بلغ عدد المظاهرات ما يقرب من 48000 مظاهرة عبر العالم، و عرفت الفترة بين مايو وسبتمبر 2025، زيادة في الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين بنسبة 43  بالمئة مقارنة بالخمسة أشهر التي سبقتها.

بالنسبة للرأي العام في الولايات المتحدة، والتي تعتبر الداعم الرئيسي لدولة الاحتلال، فقد أظهرت الاستطلاعات ان نسبة متزايدة من الأمريكيين (39%) تعتبر ان الكيان تجاوز الحدود في عملياته العسكرية. كما ان نسبة كبيرة من الجمهور الأمريكي أصبحت ممتعضة من حجم الدعم العسكري الأمريكي للكيان الصهيوني، ففي شهر سبتمبر من العام الحالي نظمت صحيفة نيويورك تايمز استطلاعا حول نسبة التأييد للفلسطينيين، المفاجأة كانت ان   % 35 من الأمريكيين  عبروا عن تعاطفهم مع الفلسطينيين، مقابل %34  مع الصهاينة، وهي المرة الأولى التي يتفوق فيها التعاطف مع الفلسطينيين منذ بدء الصحيفة في سؤال الناخبين عن تعاطفهم  مع الشعب الفلسطيني منذ عام 1998 ، مما يمثل تحولاً جذريا مقارنة بالأشهر الأولى للحرب، حيث كنت نسبة تأييد الفلسطينيين لا تتجاوز% 20. على مستوى الطبقة السياسية شهد الحزب الديمقراطي انقساما حادا حول دعم الكيان الصهيوني، و برز جناحه اليساري كقوة معارضة للسياسات الصهيونية، خاصة بين الشباب وطلاب الجامعات، اما الحزب الجمهوري فشهد انقسامات في قاعدته الانتخابية، و بدأ جزء  من مؤيدي ترامب يتساءل عن صحة مبدأ الدعم المطلق  للكيان في ضوء الاتهامات بالإبادة الجماعية، وهي الازمة التي دفعت دونالد ترامب لتحذير حكومة الكيان الصهيوني من العزلة الدولية المتنامية، فالإدارة الأمريكية لا ترى هذه العزلة مجرد رد فعل عاطفي، بل انها قد تترجم إلى ضغوط ومتغيرات استراتيجية ملموسة، بما يتعارض مع المصالح الامريكية. اما في أوروبا فقد أحدثت الجرائم الصهيونية تحولات كبيرة في الرأي العام كان لها انعكاسات على سياسات الدول، ولعل  ابرز مظاهر الحراك الجماهيري في أوروبا المظاهرات الحاشدة في لندن وباريس وبرلين تأييدا للحق الفلسطيني. هذا التحول في الرأي العام الاوروبي اكدته العديد من الاستطلاعات، ففي استطلاع لاحد مراكز سبر الآراء، في أبريل 2024 اتضح ان اكثر من نصف الأشخاص في سن التصويت في بلجيكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والسويد يريدون حظر تجارة الأسلحة مع الكيان الصهيوني، و تجاوزت النسبة 60  بالمئة في إيطاليا و بلجيكا. كما أظهرت استطلاعات أخرى في يونيو 2025، الى وصول التأييد للكيان الصهيوني لأدنى مستوياته منذ عام  2016 في المانيا، و فرنسا و الدنمارك بنسبة غير مسبوقة.

لقد انعكست هذه التحولات الشعبية على السياسات الرسمية للدول الاوروبية، حيث بدأت البرلمانات في تبني مواقف اكثر توازنا ، مع فرض عقوبات على المستوطنين في الضفة الغربية، كما اعلن الاتحاد الاوروبي في مايو من العام الحالي عن فرض عقوبات ضد المستوطنين، مع دعوات بإعادة النظر في اتفاقيات الشراكة مع الكيان الصهيوني، و شهدت حركة المقاطعة الاقتصادية زخماً غير مسبوق كأحد اشكال عزل الكيان و داعميه، لتتوسع حملات مقاطعة الشركات الداعمة للكيان لتشمل سلاسل عالمية كبرى، مما تسبب لها في خسائر اقتصادية هامة، و امتدت المقاطعة إلى المجال الأكاديمي والثقافي،  فقاطعت جامعات ومؤسسات أكاديمية غربية عديدة الشراكات مع الجامعات الصهيونية، فيما يشبه مقاطعة نظام الفصل العنصري السابق في جنوب افريقيا. جميع هذه المعطيات تشير بشكل او باخر لحجم التضرر الذي مس صورة الكيان الصهيوني، فرغم تعمد الاحتلال منع الاعلام الغربي من دخول القطاع خلال العدوان، فان الدماء المسفوكة في غزة، و صرخات الجوعى التي نقلتها وسائل الاعلام غير التقليدي قد لطخت صورته الى الابد.

كيف يواجه الاحتلال الصهيوني طوفان التضامن العالمي

لقد أسهمت حركة  التضامن العالمية في تعزيز السردية الفلسطينية من خلال كسر العزلة الإعلامية عنها، و خلق رأي عام ضاغط على الطبقة السياسية في الغرب ، و اضعاف الشرعية الأخلاقية للكيان الصهيوني، فلعبت  حملات التضامن دور كبير، في فضح الطبيعة الاستعمارية للاحتلال، وكشفت زيف ادعاء (الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط)، كل ذلك ساهم في اعادة القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث العالمية لتتصدر قائمة أعدل القضايا الإنسانية، لكن على الرغم من ذلك فما زال الاحتلال يمتلك بعض الاوراق التي تعيق عزله بشكل كامل، وأولها استمرار دعم الولايا ت المتحدة الامريكية و الدول الاوروبية، كذلك ازدواج المعايير الأخلاقية مما يسمح للكيان بالإفلات من القانون الدولي، و يضاف الى ذلك التهمة الجاهزة بمعاداة السامية و التي يتم استخدامها في مواجهة كل من ينتقد جرائم الاحتلال.

لكن هذا لا يعني عدم استشعار الكيان لحجم التحول في الرأي العام العالمي وانعكاساته المستقبلية، و من بوادر التحرك لمواجهة تصدع السردية الصهيونية بذل الكيان الصهيوني لجهود مكثفة لمواجهة حملات التضامن الرقمي مع الشعب الفلسطيني و التنديد بجرائم الاحتلال ، حيث عقدت عدة لقاءات مع مؤثرين مؤيدين للكيان الصهيوني لإطلاق  حملات على وسائل التواصل الاجتماعي باستخدام حسابات عدة  للدفاع عن صورة الاحتلال، و محاولة تشويه صورة المقاومة. و هو ما صرح به رئيس وزراء الاحتلال مخاطبا المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي (استخدموا اسلحتكم) مما يؤكد على أهمية حرب السرديات للكيان الصهيوني، فبالإضافة للتكتيكات الرقمية التي تم اتباعها، خلال العدوان الأخير على قطاع غزة من حجب للمحتوى الداعم للقضية الفلسطينية، و اغلاق حسابات النشطاء، و استخدام الخوارزميات بتواطؤ من الشركات المالكة للمنصات، علينا ان نتوقع مستقبلا ان تصبح اغلب منصات التواصل الاجتماعي ساحات رقمية لترويج السردية الصهيونية حصرا.

على صعد أخرى اعتمد الكيان الصهيوني عدة  تكتيكات و استراتيجيات، و منها تعزيز التحالفات الدولية و توظيف العلاقة الاستثنائية مع الولايات المتحدة لدعم موقفه في المحافل الدولية، الإسراع في بناء تحالفات إقليمية من خلال الاتفاقيات الابراهيمية، و التركيز على الدول الاوروبية الملتزمة بموقفها من الكيان لتعديل المواقف في الاتحاد الاوروبي، كما يتم العمل على بناء حملة علاقات عامة دولية تصور ما حدث من جرائم بعد السابع من أكتوبر على انها حالة دفاع شرعي عن النفس في مواجهة العدو، بتوظيف لغة قانونية كالدفاع المشروع، و ابراز الكيان الصهيوني في صورة الضحية التي تتعرض للهجمات و الصواريخ من قطاع غزة. كل ذلك يتم من خلال بنية تحتية إعلامية و مراكز متخصصة للعلاقات العامة و بالتعاقد مع شركات متخصصة دولية ، في ظل وجود العديد من شبكات الدعم عبر المنظمات اليهودية لتعبئة التجمعات اليهودية في العالم دفاعا عن حق الكيان في الوجود. على صعيد المواجهة مع المقاطعة الاكاديمية والثقافية  يتبنى الكيان تكتيكات لتعزيز التبادل الاكاديمي عبر دعوة الباحثين و الطلاب لزيارة الجامعات الصهيونية، و اطلاق العديد من المؤتمرات العلمية في الجامعات. رغم ذلك فان هذه الاستراتيجيات و حملة العلاقات العامة تصطدم بما هو متداول من جرائم عبر منصات التواصل الاجتماعي، و هو ما يعطي أولوية للتوثيق قبل ان يتم حذف معظم المواد المنشورة و غسل الأدلة الرقمية للإبادة بتواطؤ من شركات التكنولوجيا و التي يهيمن عليها، و على ادارتها ضباط سابقين في جيش الاحتلال.

إعادة صياغة السردية الفلسطينية

منذ النكبة افتقرت السردية الفلسطينية في المواجهة مع الاحتلال لاستراتيجية واضحة، و موحدة و طويلة الأمد، فكانت الرواية الفلسطينية دوما في خانة الدفاع في محاولة لدحض الادعاءات الصهيونية بدلا من سرد القصة على لسان الضحية، بحيث تحمل خطاب واضح المطالب للعالم  يعبر عن الحقوق الوطنية الفلسطينية الغير قابلة للتصرف.   

ان إعادة بناء السردية الفلسطينية و صياغتها يمثل ضرورة استراتيجية في المواجهة مع الكيان الصهيوني،

مما يتطلب ترسيخ رواية وطنية موحدة، تعرض قصة فلسطينية متماسكة للعالم بعيدا عن التفتت الحالي. يجب ان تستفيد السردية الفلسطينية من نمو حركة التضامن العالمية، لإعادة رسم الصورة الانسانية للقضية الفلسطينية، و التركيز على بعدها الإنساني،  مما يستلزم تطوير خطاب فلسطيني جديد يركز على فضح الإبادة الجماعية وجرائم الحرب وانتهاك القانون الدولي الإنساني. لتتحول السردية من خطاب سياسي تقليدي إلى خطاب قائم على الحقوق والقانون الدولي، بما يضع الكيان الصهيوني في موقف المدان دوليا ويفتح الباب لمحاكمته. فعلى الصعيد القانوني يمكن الاستفادة من الآليات القانونية و الدولية ، والارتكاز على القانون الدولي لمتابعة الاحتلال على جرائمه، وتحقيق المساءلة الدولية. لتحقيق ذلك هناك ضرورة لدعم وتمويل المنظمات الحقوقية الدولية و الفلسطينية التي تقدم الأدلة للمحاكم الدولية. و اللجوء للمحاكم الدولية المتخصصة في الاشكال المختلفة للإبادة كالإبادة البيئية و الثقافية. يمكن أيضا للمحاكم الشعبية الدولية ان تلعب دور مهم، في تأجيج الرأي العام الدولي، و الاستمرار في فرض حالة من العزلة على الكيان و داعميه.   

و نظرا لأهمية وسائل التواصل الاجتماعي، في عرض القصة من منظور فلسطيني ، فهناك ضرورة لتعزيز المقاومة الرقمية ، مما يتطلب  تعزيز القدرات الرقمية للنشطاء لمواجهة التضليل الممنهج للاحتلال، و العمل على نقل المعاناة الإنسانية بشكل فوري ومباشر، وحشد الرأي العام عبر هاشتاغات وحملات عالمية،  و تطبيق تكتيكات فعالة لتعزيز السردية الفلسطينية، كتوثيق الانتهاكات، و الاستمرار في رفع الصوت عبر أكبر عدد ممكن من المنصات، باستخدام أدوات التواصل المرئي  لنقل المعلومات عن الاوضاع في فلسطين تحت الاحتلال، وبناء تحالفات مع مؤثرين ونشطاء عالميين لنقل الصورة. كما يعد توثيق الجرائم أولوية في فضح الرواية الصهيونية، على ان يتم ذلك بشكل منهجي ومحترف لتوفير أدلة دامغة للمحاكم الدولية، وفي الوقت نفسه كشف وحشية الاحتلال للرأي العام العالمي عبر وسائل الإعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي، مما يغذي حركات التضامن ويوسعها. أيضا هناك ضرورة لبناء مؤسسي يتبنى نشر السردية الفلسطينية و يعمل على عزل الكيان الصهيوني في كافة المحافل من خلال بناء تحالفات مع مكونات المجتمع المدني في العالم، والحركات الطلابية و الهيئات الثقافية و الاكاديمية بما يعزل الكيان الصهيوني و يفقده شرعيته الدولية.

هذه الآليات ليست منفصلة، بل هي متكاملة وتعزز بعضها البعض. فالنجاح في الساحة القانونية يعزز حملات المقاطعة، وحملات المقاطعة تزيد من العزلة الدولية للكيان الصهيوني، مما يسهل تحقيق انتصارات قانونية جديدة.

في النهاية الأكيد المقاومة الفلسطينية قد نجحت في تحقيق أحد أهدافها الاستراتيجية، وهو عزل الكيان و فضحه امام الرأي العام العالمي، فما حدث منذ السابع من أكتوبر قد غير العالم، و كما زلزلت اقدام المقاومين اركان الكيان يوم العبور، فان تضحيات و صمود الحاضنة الشعبية في قطاع غزة قد احدثت تحولا عميقا في الوعي الغربي، تجلى في تغير موازين التعاطف الدولي خاصة في الغرب، و مهد الطريق لانتصار الرواية الفلسطينية. ما حدث منذ السابع من أكتوبر قد أحدث تغيرا بنيويا في التصورات العالمية لما يحدث في فلسطين. تغيرا لم يكن ليحدث الا بسبب التدفق الهائل للمعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، و ما احدثه من تغير في مواقف الشباب و النخب السياسية في الغرب ، و الذي من تجلياته الاعترافات المتتالية بدولة فلسطين، ومراجعة اتفاقيات التعاون مع الكيان الصهيوني، والضغوط لوقف الدعم العسكري، لكن رغم ذلك تبقى التحديات قائمة لمجابهة النفوذ الصهيوني عبر العالم ، فلا تزال الفجوة واسعة بين الرأي العام والمواقف الرسمية للعديد من الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة. كما أن استمرار الدعم الأمريكي الرسمي للكيان الصهيوني يشير إلى أن الطريق مازال طويلا قبل أن تترجم تحولات الرأي العام إلى تغيير جذري في السياسات الدولية.

هذه التحولات في السياسة الدولية تبقى مرهونة بقدرة الفلسطينيين وداعميهم من احرار العالم على بناء استراتيجية واضحة، وطويلة الأمد لنشر السردية الفلسطينية ، و الاستفادة من حالة التضامن العالمي لعزل الكيان الصهيوني و محاصرة سرديته في كل مكان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق